
في المساء، حيث الذباب ينتشر ويداعب الهواء بأجنحته الصغيرة، وأنا أتمشى بلا هدف على حافة الشوارع المظلمة، لأضواء الضبابية تلوح في الأفق كالأحلام المفقودة، وصوت الأقدام يتلاشى في همس الليل، مشوشًا بشكل غريب مع زقزقة الذباب العابر، يرتفع صوت القلق ببطء، كأنه ظل يتأرجح مترنحًا بين أحرف الطواحين. لا يسكت رأسي عن الذكريات، بل يملأه بطرائدٌ من الصور التي تلاحقني في أيامي. يبدو وكأنها تسعى لاقتناص لحظة حياتية، لتأخذ مسحة صغيرة من وجودي.
أشعر بالصمت الطويل والحيرة الكامنة أمامي. يبدو أن خيوط الرغبة في المستقبل قد تلاشت، وأن يد الرياح قد قطعت شرايين الانتظار، مثلما تمزقت المعصمات. لقد اعتدت دائمًا على استيعاب الإحساس بالأشياء وإدارة حوافها. كانت تفاصيل بسيطة تشغل اهتمامي؛ محاذاة الطاولة بالحائط، واستيقاظي في وقت محدد، وصوت درفة الخزانة، وموضع القلم في درج المكتب الصغير. كنت دائمًا أهتم بتفاصيل الوقت والأشياء اليومية، كأنني ألتمس شعورًا مفقودًا في حياتي، شعورًا يمنحها معنى.
ولكن الزمن، بفداحته المريرة، قد تحوّل ليصبح عدوًا لا يُحتمل، كان يشتهي الانتفاضة والتمرد، ونقطة الوصول التي طالما انتظرتها، كانت في حد ذاتها الحياة تُنكِر ذاتها ومن ثم، جاء هذا الاختناق الذي يأكلني بصمته وينهش جسدي وذاكرتي، أشعر وكأنه يعض ببطء ويأكلني قطعة قطعة، يهمس في أعماقي ويأخذ مني كل ما لدي.
وشكل من العناء أن أجد نفسي مفرطًا في مداراة الشعور دون تعمّد مني. تُحرقني ثواني الانتظار دونما إرادة من أجل شيء، وتسحقني ردات الفعل الباردة كما لو أنها طوفان صقيع يُجمّد حجرات صدري ليتهشم بأرق ضربة ممكنة. أشعر بأنني لوح زجاجي لا يُعرف كم نال من الطرق حتى أتت دقة منقار وفتتني كاملًا.
أجد نفسي يقظًا لشعور الآخرين كما لو أنني المعني الوحيد في العالم، وأصبحت المنقذ التعيس الذي نصب نفسه بطلاً خارقًا وهو في وهدة التهاوي والغرق. تقتص من شعوري خوف جرح أحدهم، وأنا أمد يدي لشجرة وقتي لأدفئ أيدي الآخرين أكثر مما يروق لي. وما أخشاه أكثر هو أن أحزن أحدًا بسبب تواجدي.
تبدو لي الفكرة مريبةً بالفعل، أن يكون الخلاص المتاح هو الاختفاء والابتعاد عن الذين أعرفهم، حيث لا يكون هناك أحدًا محتمل لأشعر به أو أشاركه مشاعري، أتوق لغيابهم وغيابي عنهم، أود أن أبدأ من جديد في مكان لا يتعرض لكل تلك التحميلات العاطفية، لكن ما يجعلني يراودني الشك هو أنني قد أفتقد تجربة الشعور الحقيقي، فكل هذه العناية بالآخرين قد أجبرتني على تجاهل شعوري الخاص، والآن أتساءل هل سأكون قادرًا على مشاركة الشعور الحقيقي مع أحد، أم أنني أصبحت محكومًا على العيش في الظلام العاطفي الذي صنعته بنفسي؟
وائل فتحي

أضف تعليق